الرجاء الإختيار
العنوان القائمة

كلمة معالي وزير الخارجية والمغتربين افتتاح المؤتمر الوزاري لمراجعة سياسة الجوار مع الاتحاد الأوروبي

الخط + - Bookmark and Share
24/06/2015
أصحاب المعالي والسعادة، الأخوات والأخوة،
 أود أن أعبّر عن سعادتي بوجودكم في لبنان وباستضافتنا لهذا المؤتمر حول مراجعة سياسة الجوار الأوروبية. إن انعقاد هذا المؤتمر في لبنان، هو دليلٌ على أن الظروف التي نمرّ بها، ومهما كانت صعوبتها، لا يمكن أن تحجب لبنان عن دوره الطليعي وعن اتخاذه للمبادرات التي تهدف لتعزيز صداقاته الواسعة في هذا العالم، بدءاً من الدول العربية الشقيقة التي تجمعنا بها روابط مميّزة، وصولاً إلى علاقتنا بالإتحاد الأوروبي، الجار الأهم لنا، من خلال مراجعة سياسة الجوار التي تربطنا به منذ عام 2004. السيدات والسادة، لقد حرص لبنان على أن يقوم بدور طليعي في عملية مراجعة سياسة الجوار إلى جانب إخوانه في الدول العربية نظراً لإيمانه بأن للإتحاد الأوروبي دوراً حالياً ومأمولاً في منطقة جنوب المتوسط ينبغي أن نتشارك جميعاً في بلورة معالمه. فالعلاقات التاريخية السياسية والإقتصادية والثقافية التي تجمع منطقتنا بأوروبا، إضافةً للمصالح المشتركة والتحديات الخطيرة تحتّم قيام دور أوروبي فاعل ووجود شراكة حقيقية تساهم في حفظ ما لهذه المنطقة من أهمية إستراتيجية ومن قيمة معنوية، باعتبارها الخزّان الروحي والثقافي الذي انتشرت منه قيم سماويّة وبشريّة ينبغي حفظها. إنّ الحفاظ على المنطقة وتركيبتها السكانية والديموغرافية وحمايتها من التشويه الذي يجري لتنوعها وتناغم مكوناتها، ومواجهة الظلامية التي تفتّت نسيجها الاجتماعي وتذوّب حدودها وتقوّض مؤسساتها وجيوشها، ينبغي أن يكون في طليعة أولوياتنا باعتبار أنّ المشاكل والتحديات أصبحت عابرةً للحدود ولا تعترف بفاصلٍ جغرافيّ أو بحريّ. السيدات والسادة، أودّ أن أرحّب بالمقاربة الجديدة التي اعتمدها الإتحاد الأوروبي، من خلال إطلاق عملية تشاور مع شركائه حول معالم سياسة الجوار الجديدة، وقد رأينا، كدول عربية، أن نبادل هذه الخطوة بمثلها، وأن نعبّر جماعياً عن الأهمية التي نوليها لعلاقاتنا بالإتحاد الأوروبي وعن الكثير من المصالح المشتركة بين دولنا العربية المنضوية في سياسة الجوار. وأود أن أحيّي وجود أمين عام جامعة الدول العربية الدكتور نبيل العربي لما لوجوده من أهمية سياسية ورمزيّة، مع ترك المجال بالطبع لكل دولة شريكة في التعبير عن مواقفها الخاصة تجاه هذه السياسة باعتبار أن سياسة الجوار تبقى سياسة ثنائية بين الإتحاد الأوروبي وكل دولة من دولنا، كما إنّ مسار التعاون العربي-الأوروبي يشكّل مساراً تكاملياً لعملنا اليوم. إن ورقة الموقف العربي الموحّدة، هي جهد عربي جماعي بدأ في بروكسل مروراً باجتماع الإتحاد من أجل المتوسط في عمّان، وصولاً إلى مؤتمرِنا هذا، وسوف نسلّمها للمفوض هان ممثلاً الإتحاد الأوروبي اليوم، ونأمل أن تكون رافداً رئيسيّاً من روافد سياسة الجوار الجديدة، مع استمرار متابعتنا للعملية. السيدات والسادة، يدعو لبنان إلى سياسة جوار تعبّر عن شراكة حقيقية قائمة على أهمية منطقتنا، وتراعي الظروف الحسّاسة التي تمرّ بها بحيث تركّز على التحديات الآنية دون أن تهمل المسار الأبعد مدى الهادف إلى إقامة منطقة من الأمن والإزدهار في حوض البحر المتوسط. كما يدعو لبنان إلى إيلاء الجانب السياسي الأهمية التي يستحقها مع التشديد على أن ّ الاستقرار والازدهار لن يتحققا ما دام النزاع العربي- الإسرائيلي قائماً وما دام السلام العادل والشامل غير محققاً وفق المبادرة العربية للسلام كما أقرّتها قمّة بيروت عام 2002، دون انتقائية في عناصرها، ودون التنكّر للبند المتعلق بحق العودة ومنع التوطين باعتباره جزءً لا يتجزّأُ من هذه المبادرة. وهنا نتطلّع إلى دور أوروبي فاعل وغير منحاز. كما يدعو لبنان إلى إيلاء الجانب الثقافي في سياسة الجوار الأهميّة المحورية، إذ أثبتتْ التجارب أن بواطن الأزمات السياسيّة تتضمّن شقاً ثقافياً يمكن من خلاله معالجة الفجوات السياسية والأمنية والاجتماعية. وبالرغم من التراث الثقافي الجامع في ما بيننا، فإنّ الفجوات الثقافية في ما بيننا هي سبب رئيسي في نقل الأزمات من منطقتنا باتجاه منطقتكم. وما الفوارق في الانتماء الديني والنمو السكاني والتطور الاقتصادي والمنظومات الإنسانية والنظم الديمقراطية سوى عناصر مضخمة لانتقال الأزمات مع ناسها عبر الحدود والبحار. إن لبنان يجد في الدعوة إلى تعزيز الشق الثقافي في سياسة الجوار مجالاً للتعبير عن طبيعته التكوينيّة في الانفتاح والانتشار ويجد فيها كذلك إطلالة على جالياته المنتشرة في أرجاء أوروبا والعالم والتي ساهمت بشكل فاعل في الحياة الثقافية والمجتمعيّة. كما أن الثقافة بمعناها الواسع لا يمكن فصلها عن فضيلة التنوّع وتشجيع حرية المعتقد عبر محاربة الفكر التكفيري. إن هذا الفكر يتجلّى اليوم في الإرهاب الداعشي الذي ينبغي التعاون في ما بيننا لتجفيف المنابع الفكريّة له، والمنابع المالية المتأتية من دول أو منظمات أو أفراد. وخاصة أن هذا الفكر لا جغرافيا له ولا حدود وهو عابر للبحار والقارات، وهذا ما يعطي الأهمية لسياسة الجوار التي يمكن أن توفّر وسائل مواجهته. وقد باشر لبنان منذ فترة مساراً جديداً لزيادة التعاون مع الإتحاد الأوروبي في مجال مكافحة الإرهاب نأمل أن يؤدّي إلى نتائج ملموسة قريباً. إنّ معالجة تحدّي الإرهاب والهجرة غير الشرعية وسائر التحديات الأمنية لا يجب أن تخضع للمنطق الأمني البحت، إنما تستدعي تستدعي مقاربة شاملة فيها منطق الانفتاح والحوار وتشجيع التنقّل الآمن والمنظّم للأشخاص بدلاً من منطق القلاع المحمية بأسوار من التدابير البوليسية. إنّ التنقّل السهل للأشخاص بين ضفتي المتوسط في إطار قانوني مضبوط يعزّز القيمة المضافة لسياسة الجوار لدى مواطني دول الجنوب ويساهم في بناء جسور من التواصل والانفتاح. كما ننبّه مجدداً من تداعيات أزمة النزوح السوري الكثيف على بلدان الجوار مع ما يحمله من تداعيات اقتصادية واجتماعية وأمنية. إنّ متابعة ارتدادات أجندة الهجرة التي أصدرتها مؤخّراً المفوضية الأوروبية يجعلنا ندرك أنّ تحسّس الرأي العام في أوروبا على مواضيع الهجرة واللجوء هو كبير، فما بالكم بلبنان الذي يحتضن 200 نازح في كلّ كلم2 مضافاً على نشوب صراع عسكري على حدوده يحمل أبعاداً طائفية تهدّد صيغة لبنان ووجوده؟ السيدات والسادة، إنّ لبنان يتعرّض لموجة نزوح كثيف mass influx، مع كلّ ما يرتّبه ذلك وفق القانون الدولي من حقوق للدولة المعنية ومن واجبات تجاه مواطنيها في حماية لقمة عيشهم وأمنهم واستقرارهم. ونأمل من المراجع والمنظمات الدولية التي نحرص على التعامل معها بما يراعي مصالحنا أولاً أن تتفهّم ضرورات استقرار وأمن لبنان المرتبطين بأمن واستقرار المنطقة وأوروبا. إنها أزمة النزوح الأولى في العالم بكلّ المقاييس وتتطلّب حلولاً نوعية من قبل المجتمع الدولي مثل شطب ديون لبنان وشراء إنتاجنا الزراعي كاملاً لصالح المنظمات التي تعنى بالنازحين. إننا نأمل في سياسة جوار جديدة تحترم الخصوصيّات وتبني على كثير من القيم المشتركة، سياسة جوار تحترم خيارات دولنا القائمة على أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان والاقتصاد المنفتح، سياسة جوار تحترم حقوق شعوبنا في اختيار ممثليها ليلعبوا أدواراً قيادية ترتكز على شرعية شعبية. كما ندعو إلى سياسة جوار مبسّطة الإجراءات لديها إمكانات مالية تتناسب مع طموحاتها، تراعي ظروف وإرادة البلد المعني وتحترم مبادئ الشفافية والملكية المشتركة لهذا المسار وآلياته. السيدات والسادة، لقد وصف مجلس وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي لبنان منذ يوميْن بأنه مثال للإعتدال في المنطقة، ونحن إذ نؤكّد على حرصنا على هذه الميزة وعلى أن لبنان ملتزمٌ دوره التاريخي التكويني في حفظ التعدّد والعيش الواحد بين أبنائه حيث يشعر كل مكوّن من مكوّنات المجتمع بالشراكة السياسيّة والمعنويّة الفعليّة المناصفة: هذه هي رسالة لبنان الحقيقيّة. السيدات والسادة، على بعد كيلومترات قليلة من هذا المكان، يحتضن متحف بيروت قطعة موزاييك تمّ العثور عليها في مدينة جبيل، وهي تعود إلى القرن الثالث للميلاد وتصوّر انتقال الأميرة الفينيفيّة أوروبا من شواطئ صور في جنوب لبنان باتجاه القارة التي باتت تُعرف باسمها. إن في ذلك دلالة على أن سياسة الجوار بيننا بدأت قبل قرون من اعتمادها رسمياً. فلنحسن البناء على تاريخنا باتجاه مستقبلنا المشترك. أهلاً وسهلاً بكم جميعاً في لبنان. * * *
آخر تحديث في تاريخ 24/06/2015 - 03:10 ص
جميع الحقوق محفوظة وزارة الخارجية والمغتربين - لبنان ©     إتصل بنا  |  خريطة الموقع